الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

76

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بين رجل وزوج أبيه ممّا كان قبل نزول الآية ، ولا على تعيين قائل هذا القول ، ولعل الناس قد بادروا إلى فراق أزواج الآباء عند نزول هذه الآية . وقد تزوّج قبل الإسلام كثير أزواج آبائهم : منهم عمر بن أمية بن عبد شمس ، خلف على زوج أبيه أميّة كما تقدّم ، ومنهم صفوان بن أمية بن خلف تزوج امرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد ، ومنهم منظور بن ريان بن سيار ، تزوّج امرأة أبيه ملكية بنت خارجة ، ومنهم حصن بن أبي قيس ، تزوّج بعد أبي قيس زوجه ، ولم يرو أنّ أحدا من هؤلاء أسلم وقرّر على نكاح زوج أبيه . وجوّزوا أن يكون الاستثناء من لازم النهي وهو العقوبة أي لا عقوبة على ما قد سلف . وعندي أنّ مثل هذا ظاهر للناس فلا يحتاج للاستثناء ، ومتى يظنّ أحد المؤاخذة عن أعمال كانت في الجاهلية قبل مجيء الدين ونزول النهي . وقيل : هو من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه : أي إن كنتم فاعلين منه فانكحوا ما قد سلف من نساء الآباء البائدة ، كأنّه يوهم أنه يرخّص لهم بعضه ، فيجد السامع ما رخّص له متعذّرا فيتأكّد النهي كقول النابغة : ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم * بهنّ فلول من قراع الكتائب وقولهم ( حتّى يئوب القارظان ) و ( حتّى يشيب الغراب ) وهذا وجه بعيد في آيات التشريع . والظاهر أنّ قوله : إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قصد منه بيان صحّة ما سلف من ذلك في عهد الجاهلية ، وتعذّر تداركه الآن ، لموت الزوجين ، من حيث إنّه يترتّب عليه . ثبوت أنساب ، وحقوق مهور ومواريث ، وأيضا بيان تصحيح أنساب الذين ولدوا من ذلك النكاح ، وأنّ المسلمين انتدبوا للإقلاع عن ذلك اختيارا منهم ، وقد تأوّل سائر المفسّرين قوله تعالى : إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ بوجوه ترجع إلى التجوّز في معنى الاستثناء أو في معنى : ما نَكَحَ ، حملهم عليها أنّ نكاح زوج الأب لم يقرّره الإسلام بعد نزول الآية ، لأنّه قال : إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا أي ومثل هذا لا يقرّر لأنّه فاسد بالذات . والمقت اسم سمّت به العرب نكاح زوج الأب فقالوا نكاح المقت أي البغض ، وسمّوا فاعل ذلك الضيزن ، وسمّوا الابن من ذلك النكاح مقيتا . [ 23 ]